أبي منصور الماتريدي

562

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - : وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى ، أي : فقيرا فأغناك بما أراك من أمر الآخرة ، وما يسوق إليك من نعيمها ، أي : بما أعد له في الآخرة ، وما وعد له من النعيم والكرامات هانت « 1 » عليه الدنيا ، حتى ذكر أن الدنيا لم تكن تعدل عنده - عليه السلام - جناح بعوضة ؛ ولذلك روى أن الغنى غنى القلب . ويحتمل أنه جعل فيه حالا بلطفه أغناه ؛ كما روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه نهى عن الوصال ، فقيل : أنت تواصل ، يا رسول الله ؟ فقال - عليه السلام - : « أنا لست كأحدكم ؛ إن ربي يطعمني ويسقيني » ؛ فجائز أن يكون لله - عزّ وجل - فيه لطف أغناه به ، وإن لم يطلعنا عليه ، والله أعلم . وقال بعضهم : أغناك بمال خديجة ، رضي الله عنها . وقال بعضهم : فأغناك ، أي : فأرضاك بما أعطاك من الرزق ، وأقنعك . وقوله - عزّ وجل - : فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ، وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه - : « فأما اليتيم فلا تكهر » ، فالكهر : الزجر « 2 » ، كأنه قال : فلا تزجر . [ و ] جائز أن يكون قوله : فَلا تَقْهَرْ ، أي : لا تمنع حقه ، وادفع إليه حقه وماله . أو يكون ذكر هذا ، يقول : كنت يتيما ورأيت حال اليتيم ؛ فلا تقهر اليتيم ؛ فيكون على الصلة لقوله : أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى ، فلا تقهر اليتيم بعد ذلك . وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ : أي : كنت محتاجا فقيرا ، فعرفت محل الفقر والحاجة وشدة حاله ؛ فلا تنهر السائل - أي : لا تزجره - ولكن أعطه . وجائز أن يكون الأمر لا على النهي ، ولكن على الأمر بالبر لهؤلاء والإعطاء لهم . وجائز أن يراد من نفي شيء إثبات ضده ، كقوله - تعالى - : فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ [ البقرة : 16 ] ، أي : خسرت ، وعلى هذا الحديث ، وهو ما روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إذا أتاكم السائل فلا تقطعوا عليه مسألته ، حتى يفرغ منها ، ثم ردوا عليه برفق ولين ، إما ببذل يسير ، أو برد جميل ؛ فإنه قد يأتيكم من ليس بإنس ولا جن ؛ يرى كيف صنيعكم فيما خولكم الله تعالى » . وقال قوم : تزويج اليتيم قهره ؛ لما فيه من الاستذلال والإضرار ؛ فلم يجوزوه من غير

--> ( 1 ) في ب : فهانت . ( 2 ) قاله مجاهد أخرجه ابن جرير ( 37521 ) ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 612 ) .